مجد الدين ابن الأثير
111
المختار من مناقب الأخيار
وقال : إنّ من أعوان الأخلاق على الدّين الزّهادة في الدنيا ، وأوشكها ردى اتّباع الهوى ، ومن اتّباع الهوى الرّغبة في الدنيا ، ومن الرّغبة في الدنيا حبّ المال والشرف ، ومن حبّ المال والشرف استحلال الحرام ، ومن استحلال الحرام يغضب اللّه ، وغضب اللّه الدّاء الذي لا دواء له إلّا رضوان اللّه ، ورضوان اللّه الدواء الذي لا يضرّ معه داء . فمن يرد أن يرضي ربّه يسخط نفسه ، ومن لم يسخط نفسه لا يرضي ربّه ، إن كان كلّما ثقل على الإنسان شيء من أمر دينه تركه أو شك أن لا يبقى معه شيء « 1 » . وقيل له : بم زهدت في الدّنيا ؟ قال : بحرفين وجدتهما في التّوراة : يا من لا يستتمّ سرور يوم ، ولا يأمن على نفسه طرفة عين الحذر الحذر « 2 » . وقال : الأحمق إذا تكلّم فضحه حمقه ، وإذا سكت فضحه عيّه ، وإذا عمل أفسد ، وإذا ترك أضاع . لا علمه يغنيه « 3 » ، ولا علم غيره ينفعه . تودّ أمّه أنّها ثكلته ، وتودّ امرأته أنّها عدمته ، ويتمنّى جاره منه الوحدة ، وتأخذ جليسه منه الوحشة . وقال : يا ابن آدم ، إنّه لا أقوى من خالق ، ولا أضعف من مخلوق ، ولا أقدر ممّن طلبته في يده ، ولا أضعف ممّن هو في يد طالبه . يا ابن آدم ، إنّه قد ذهب منك ما لا يرجع إليك ، وأقام معك ما سيذهب ، فما الجزع ممّا لا بدّ منه ، وما الطمع فيما لا يرجى ، وما الحيلة في بقاء ما سيذهب . أقصر عن تناول ما لا ينال ، وعن طلب ما لا يدرك ، وعن ابتغاء ما لا يوجد ، واقطع الرجاء منك عمّا فقدت من الأشياء ، واعلم أنّه ربّ مطلوب هو شرّ لطالبه . يا ابن آدم ، إنّما الصّبر عند المصيبة ، وأعظم من المصيبة سوء الخلق منها .
--> ( 1 ) حلية الأولياء 4 / 41 ، مختصر تاريخ دمشق 26 / 395 . ( 2 ) مختصر تاريخ دمشق 26 / 395 . ( 3 ) مختصر تاريخ دمشق 26 / 399 ، وتهذيب الكمال 31 / 150 : يعينه .